مذكرات طالب طيار
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
عندما كان عمري ( 20 ) عامًا ... كنت هناك !! ، في 3 / 5 / 1986 ، شابًا حالماً بعناق السماء تشرفت بالوقوف أمام بوابة كلية القوة الجوية والدفاع الجوي العراقية والالتحاق بالدورة ( 49 ) .
دخلتها طالبًا وخرجت منها رجلًا ، كنا شبابًا لا نعرف المستحيل ننظر إلى السماء لا لنتمنى بلوغها بل لنحلم بامتلاكها والتحليق في فضائها.هناك تعلمنا أن البدلة العسكرية ليست مجرد قماش بل شرف ومسؤولية ، وأن الطائرة ليست مجرد حديد بل وطنٌ نحمله في قلوبنا ، وأن الجندية ليست مجرد رتبة بل تضحية ووفاء وانتماء .
تعلمنا أن القامة لا تُقاس بالطول ، بل بهيبة البدلة الزرقاء ، وأن الرجولة مواقف وأن السماء لا يليق بها إلا الصقور .
هناك عرفت أن البدلة العسكرية شرف ، وأن الانضباط تربية ، وأن حب الوطن عقيدة راسخة لا تتغير .
تلك البدلة التي أرتديها في الصورة لم تكن مجرد قماش ، بل كانت عهدًا لله والوطن ، وذلك الشعار الذي يعلو رأسي لم يكن مجرد معدن بل كان رمزًا لكبرياءٍ يوازي الجبال وعزّةٍ لا تنحني .
( 40) عامًا من العز والفخر مضت وما زالت تلك الأيام من أجمل أيام العمر ، كانت سنواتٍ تعلمت فيها معنى الانضباط والشرف وحب الوطن وأدركت خلالها أن البدلة العسكرية أمانة قبل أن تكون مظهرًا ومسؤولية وقبل أن تكون امتيازًا .
لقد صنعت مني تلك السنوات رجلًا وستبقى وسامًا على صدري أعتز به ما حييت.إنها ذكرى فخر واعتزاز لا ذكرى حزن وانكسار ووسام شرف أحمله في قلبي ما امتد بي العمر .
وبعد عام ( 2003 ) انتهى مشوارنا العسكري بقرار حلّ الجيش العراقي وطُويت صفحة مهمة من حياتنا لكنها لم تُطوِ ما تركته في نفوسنا من ذكرياتٍ ومواقف ودروسٍ لا تُنسى .
قدر الله وما شاء فعل ، وتلك سُنّة الحياة ، فالأيام تمضي والصفحات تُطوى ، لكن ما نزرعه من وفاءٍ وانتماءٍ وحبٍّ للوطن يبقى راسخًا في القلوب وإن اختلفت أشكال التعبير عنه .
واليوم ، وبعد أربعين عامًا ، أنظر إلى هذه الصورة بكل فخر واعتزاز وأستعيد تفاصيل تلك الأيام التي صنعت جزءًا كبيرًا من شخصيتي وأترحّم على زملائي الذين غادروا دنيانا سائلًا الله أن يتغمدهم بواسع رحمته ويسكنهم فسيح جناته .
تحية اعتزاز ووفاء إلى جميع زملاء الدورة ( 49 ) ، وتحية إلى رفاق الدرب والسلاح ، وإلى تلك الأيام التي كانت فيها أحلامنا كبيرةً بحجم السماء وكانت قلوبنا تنبض بحب العراق .
حفظ الله العراق وأهله ورحم الله زملاءنا الذين سبقونا إلى دار الحق وحفظ من بقي منهم وأدام عليهم الصحة والعافية .
ستبقى تلك الأيام صفحةً مضيئةً في كتاب العمر وسيبقى شرف الخدمة العسكرية وسامًا نحمله في صدورنا ما حيينا .
عاش العراق عزيزًا أبيًّا والرحمة لشهدائنا وموتانا والوفاء لكل من خدمه بإخلاص