معركة فتح عمورية - وا معتصماه

- سنة 223هـ/838م ، في عهد الخليفة المعتصم بالله -


سبب المعركة ، هو :

اعتداء الإمبراطور البيزنطي تيوفيل بن ميخائيل على بعض الثغور والحصون على حدود الدولة الإسلامية ، وحين بلغ المعتصم ما وقع للمسلمين في هذه المدن ، وصيحة امرأة مسلمة وقعت في أسر الروم : وامعتصماه ، فأجابها وهو جالس مع حاشيته : لبيك لبيك ، وجهز جيشًا ضخمًا أرسله على وجه السرعة لإنقاذ المسلمين ، ثم خرج بنفسه على رأس جيش كبير وفتح مدينة عمورية ، وهي من أعظم المدن البيزنطية .

ويُذكر أن صاحب عمورية من ملوك الروم كانت عنده شريفة من ولد فاطمة ، رضي الله عنها ، مأسورة في خلافة " المعتصم بن الرشيد " ، فعذبها فصاحت الشريفة فعذّبها ، فصاحت الشريفة : وامعتصماه ، فقال لها الملك : لا يأتي لخلاصك إلا على أبلق - فرس فيه سواد وبياض - .

بلغ ذلك " المعتصم " فنادى في عسكره بركوب الخيل البلق ، وخرج وفي مقدمة عسكره أربعة آلاف أبلق ، وأتى عمورية وفتحها ، وخلّص الشريفة وقال : " اشهدي لي عند جدّك أني أتيت لخلاصك ، وفي مقدمة عسكري أربعة آلاف أبلق " .

ولما انتهى الخبر بما جرى في الثغور إلى " المعتصم " فصاح في قصره : النفير النفير، وأحضر القاضي عبد الرحمن بن إسحاق وشعيب بن سهل ومعهما ثلاثمائة وثمانية وعشرون رجلاً من أهل العدالة ، فأشهدهم على ما وقف من ضياع ، فجعل ثلثاً لولده ، وثلثاً لله ، وثلثاً لمواليه ، ثم أرسل نجدة لأهل الثغور يؤمّنون الناس حتى عادوا إلى قراهم . وعندما سار " المعتصم " باتجاه الثغور تساءل : أي بلاد الروم أمنع وأحصن ؟ ، فقيل : عمورية ، لم يعرض لها أحد من المسلمين منذ كان الإسلام ، وهي أشرف عندهم من القسطنطينية ، فسار باتجاهها ، بجهاز عظيم من السلاح والعدد وآلات الحصار والنفط ، وعندما وصل الجيش الإسلامي بلاد الروم أقام على نهر اللامس - الحد الفاصل بين الخلافة العباسية والدولة البيزنطية ، على ضفتيه كانت تتم مبادلة الأسرى - ومن ضفاف نهر اللامس سيّر " المعتصم " " الأفشين " شمالاً وهدفه أنقرة ، وسيّر خلفه " أشناس " ، ثم سار خلفهما ، فكان معهما قبالة أنقرة في 25 شعبان 2233هـ، ففتحها بسهولة ، اتجه بعدها إلى عمورية .

لقد تحصّن أهل عمورية داخل أسوار مدينتهم ، متّخذين ما استطاعوا من الحيطة والاحتراز ، وعلم " المعتصم " من عربي ، أن موضعاً من المدينة جاءه سيل شديد ، فانهار السور في ذلك الموضع فكتب ملك الروم إلى " ياطس " -عامله على عمورية - أن يعيد ذلك الموضع ويعيد تشييده ، تحسّباً لنتائج فعلته في " زبطرة " والثغور الإسلامية ، فتوانى باطس في بنائه وترميمه ، وعندما علم أن " تيوفيل " خرج من القسطنطينية إلى بعض المواقع متفقداً ، تخوّف " ياطس " أن يمر " تيوفيل " على عمورية فيرى جانباً من سورها لم يرمم ، فوجّه " ياطس " الصنّاع والبنائين فبنوا وجه السور بالحجارة حجراً حجراً ، وتركوا وراءه من جانب المدينة حشواً ثم عقدوا فوقه الشرف ، فبدأ كما كان .

ولما علم " المعتصم " بذلك ، أمر بضرب خيمته تجاه هذا الموضع ، ونصب المجانيق عليه ، وبدأت المجانيق الضخمة مع آلات الحصار الأخرى تعمل عملها ، فانفرج السور من ذلك الموضع ، فلما رأى أهل عمورية انفراج السور دعّموه بالأخشاب الضخمة كل واحدة إلى جانب الأخرى لا فرجة بينهما ، فكان الحجر إذا وقع على الخشب تكسر فيهرع المحاصرون لتدعيم السور بأخشاب ضخمة جديدة ليحموا السور من الانهيار ، وعندما توالت قذائف المجانيق على هذا الموضع الواهن ، انصدع السور ، فكتب " ياطس " إلى " تيوفيل " كتاباً يعلمه فيه بأمر السور وحرج الموقف وقوة الحصار ، ووجّه الكتاب مع رجل يتقن العربية ومعه غلام رومي ، فانكشف أمر الرجلين للمعتصم ، واستمر جند " المعتصم " يبيتون بالتناوب على ظهور الدواب في السلاح ودوابهم بسروجها حتى انهدم السور ما بين برجين ، من الموضع الذي وصف للمعتصم أنه لم يحكم عمله .

ودوى في فضاء عمورية صوت اهتزت له جنباتها ، إثر تهدم جانب السور ، فطاف رجال المسلمين يبشرونهم أن الصوت الذي سمع ، صوت السور فطيبوا نفساً بالنصر .

لقد فعلت المجانيق فعلتها في السور وتنبه المعتصم إلى سعة الخندق المحيط بعمورية وطول سورها ، فأمر ببناء مجانيق ضخمة كبيرة يعمل على كل منها أربعة رجال ، وللوصول إلى السور كان لا بد من ردم أجزاء من الخندق ، فدفع لكل جندي شاة لينتفع من لحمها وليحشو جلدها تراباً ، ثم جمـع ( سلاح المهندسين ) الجلود المملوءة تراباً وطرحها في الخندق ، كما أمر " المعتصم " " مفارز " الفعلة بأن تردم جوانب من الخندق المحيط بسور عمورية مستفيدة من جلود الغنم المملوءة تراباً ، كي يمكن الدبابات ( عربات مجانيق النار ) من الوصول إلى السور ، وكلف " مفارز " من الرجال بحماية العاملين وبردم الخندق ، وحماية العاملين في الدبابات أثناء قيامها بالواجبات المترتبة على كل منها .

وطرح العاملون من الفعلة الجلود فلم تقع مستوية منضدة بسبب تكثيف الروم رميهم الحجارة على العاملين بردم الخندق فجاءت الجلود في الخندق غير مستوية فطرحوا فوقها التراب حتى أصبحت مستوية ، وفي صباح يوم جديد من الحصار ، بدأ القتال على الثلمة التي فتحت في السور ولكن الموضع كان ضيقاً لم يمكنهم من اختراق الثلمة ، فأمر " المعتصم " بالمنجنيقات الكبار التي كانت متفرقة حول السور فجمع بعضها إلى بعض ، وجعلها تجاه الثلمة ، وأمر أن يرمى ذلك الموضع لتتسع الثلمة ، ويسهل العبور ، وبقي الرمي ثلاثة أيام فاتسع لهم الموضع المنثلم ، واستخدمت أكباش الدبابات أيضاً لتوسيع الثلمة ، وركب " المعتصم " حتى جاء فوقف حذاء البرج الذي يقاتل فيه " ياطس " فصاح بعض الجند العرب : يا " ياطس " ، هذا أمير المؤمنين ، فصاح الروم من فوق البرج : ليس " ياطس " هاهنا ، فغضب " المعتصم " لكذبهم وتوعد فصاحوا : هذا " ياطس " ، هذا " ياطس " ، فصعد جندي على أحد السلالم التي هيئت أثناء الحصار ، وقال لياطس : هذا أمير المؤمنين فانزل على حكمه ، فخرج " ياطس " من البرج متقلداً سيفاً حتى وقف على البرج ، و" المعتصم " ينظر إليه فخلع سيفه من عنقه ، ودفعه إلى الجندي العربي الذي صعد إليه ، ثم نزل " ياطس " ليقف بين يدي " المعتصم " ، معلناً سقوط عمورية بيد " المعتصم " وجنده .

لقد سقطت عمورية بعد أهم معركة عربية استخدمت فيها أدوات الحصار الضخمة الكبيرة كالدبابات والمجانيق والسلالم والأبراج على اختلاف أشكالها وأنواعها ، وذلك بعد حصار دام خمسة وخمسين يوماً ، من سادس رمضان إلى أواخر شوال سنة 223هـ .


10 views0 comments

Recent Posts

See All